فضح الذات فى السير العربية.
إبراهيم حمزة .
يندهش المتابع للواقع الثقافى للكثرة اللافتة فى كتب السير الذاتية العربية
، بحيث لا تمر أسابيع إلا وتطرح لنا المطابع ثمرة جديدة ، تختلف باختلاف شجاعة
كاتبها ، وهى شجاعة تنبع من القدرة الحقيقية على فضح الذات ، وكشف عيوبها أو على
الأقل خفاياها وخباياها , والتلذذ بنعمة التذكر ، وكأننا نتذكر كلمة ماركيز فى
مقدمة سيرته الذاتية " عشت لأروى " : الحياة ليست ما يعيشه أحدنا ،
وإنما هى ما يتذكره ، وكيف يتذكره ليرويه " ثم يقدم حياته بشكل روائى مميز
كعادته ، يجعلنا نناظر بينها وبين عدد كبير من السير العربية ، تتبعها أستاذنا
إحسان عباس ، وعاد بها إلى عصر الزهو العربى
- العصر العباسى – دارسا بعض الكتابات مثل " بخلاء الجاحظ "
وإمتاع أبى حيان التوحيدى ومثالب الوزيرين للتوحيدى أيضا ، وأخبار سيبويه ، ودمية
القصر للباخرزى، وغير ذلك كثير ، لكنه يشير للترجمة العامة للأشخاص وليست السير
المكتوبة بقلم أصحابها ، أما فى العصر الحديث فقد تألقت السير، حتى بلغت حدا "
لم تبلغه السير فى أى تراث لأمة أخرى معروفة فى التاريخ فى القديم والحديث "
كما يقول محمد عبد الغنى حسن فى كتابه " التراجم والسير " .
ـ بين الشرق والغرب :
يبدو طبيعيا أن يعترف الغربيون ببساطة ، خاصة من يظهر تدينا ، فالاعتراف
جزء من المسيحية ، لذا سنجد "جان جاك روسو " فى اعترافاته يقول إنه بسبب
تعامل أخت القسيس معه بقسوة ، تنبهت المشاعر الجنسية والشهوانية فى كيانه " ثم
ألحقه خاله بالعمل لدى رجل يقوم بالحفر على المعادن ، وهناك تعلم السرقة ، والتى
كان يسعى لها ليس حبا فى المال ، وإنما انتقاما من معلمه وربما خاله ايضا . ولذلك
فطوال فصول الكتاب ، نجد " روسو " عالة دائما على امرأة ، وهو ما لن
يصرح به كاتب عربى بسهولة . وإن كان أندريه موروا يشير فى كتابه الهام الذى ترجمه
الدكتور أحمد درويش بعنوان " فن التراجم والسير الذاتية " أن "
روسو " قد فتح الباب حقا أمام هذا الفن حين سجل اعترافاته عام 1764 وما تلتها من سنوات .
فى حين أننا سنجد فقيها عربيا قديما كابن الجوزى
يقول " إن التواريخ وذكر السير راحة للقلب وجلاء للهم وتنبيه للعقل" ثم
هذه " النتف الاعترافية " لابن حزم فى " طوق الحمامة "
والتعبير للعلامة إحسان عباس ، والذى يؤكد
أن "طوق الحمامة لو تم تفريغه من الشعر ومن التقسيمات المتصلة لـ "
استوفى المتعة كاملة وما قصر عن الغاية " ..
والحق أن " طوق الحمامة " يبعد عن اتجاه السير ، لكن الدكتور إحسان محقق
كتاب " طوق الحمامة " يلتقط هذه اللحظات اليسيرة التى يبوح فيها ابن حزم
، ليبنى عليها طبيعتها " السيرية " . هذه السير
العربية التى امتدت من سير النبى الكريم ، ومرورا بسير أقرب للشعبية للإمام على
وللحسين وغيرهما ، غير أنها سيرة غيرية . يقول الدكتور" جونسون " أن
حياة الإنسان يمكن أن تكتب على افضل طريقة من خلاله هو " ولكن تأمل سير أصحاب
السيرمن خلال كتاب آخرين يوضح لنا بعدا جديدا ممتعا ، إنه الفضح من خلال الذات
وسواها ، ولا يمكن أن نتحدث عن السير ، ولا نتوقف أمام " أوراق العمر ..
سنوات التكوين " للدكتور لويس عوض " فهى سيرة مغايرة تماما ، بداية من
الحجم الضخم – أكثر من ستمائة صفحة ، ومرورا بالشعور المتضخم بالذات ، فى مقابل
قدرة على التجرد والصراحة فى حق الجميع سواه ، فشقيقه " شاكر " مات فى
شبه جنون ، ومرجريت أودعوها ملجأ للمسنين وماتت عذراء بعد الستين ، وهى ليست
مجنونة " بل عبيطة " كما يصفها أخوها الدكتور لويس ،
ويضطر اضطرارا
للإشارة إلى عقمه ، لكنه يقول " أنا وأخى رمسيس عقيمان " ، أما أمه فلم
يرها طوال حياته تقرأ رغم إقرار أبيه أنه علمها القراءة والكتابة ... أما الأب
" فلم يكن متدينا بالمعنى المألوف ، لم يكن يصلى أو يصوم " وكان يشرب
العرق أو الكونياك كل ليلة ، وكان يفقد وقاره حين يحاول التظرف أمام النساء ، والأم
كانت تصوم " ولكنى لم أكن أراها أبدا تصلى " . أما ذاته وحديثه عنها ،
فهو النموذج الخالص للاعتداد بالذات ، وفلسفة الأمور، حتى حين يروى أول تجربة
جنسية وقعت له ، يمنح القارىء إحساسا بأنه أمام تجربة روحية مقدسة .. بعدما يصف
الشارع فى بنى سويف – صعيد مصر - حتى
يصلوا لحى البغاء ، وكان بصحبة زملاء أكبر منه سنا ، وهم عارفون لما يريدونه
ومعتادون عليه ، حتى نادته بنت جميلة فاحمة الشعر بيضاء البشرة ، وخلعت قميصها
وقالت له " ياللا بقى " وكان هو فى حرج شديد !! فلم يخلع ملابسه مطلقا
أمام أحد ، حتى ( وقادتنى من يدى إلى الفراش فى حنان بالغ ، وقد أدركت أنى كنت
بكرا ، وبعد ربع ساعة نهضت ولبست ملابسى وأعطيتها عشرة قروش ، وقبلتنى فى عطف شديد
، وقالت مودعة " تعالى بكره" . صـ320
وقد تخلص
الدكتور لويس من مأزق الحديث الصريح ، بالدخول فى التأريخ داخل السيرة ، فحكى عن
الوضع السياسى فى مصر تفصيلا ، ثم يتخصص فى الحكم المطلق على الأشخاص ، فسلامة
موسى كان صريحا فى زندقته ، والعقاد كان زنديقا يغطى زندقته بمقولات فلسفية وكذلك
كان طه حسين ، الذى كانت (آية زندقته كتابه " فى الشعر الجاهلى " ثم
يهيل التراب على ما قاله بصراحة ووضوح قائلا " فإن كانت كلمة زندقة كلمة
جارحة ، فلنقل إن هؤلاء الثلاثة كان لهم فهم خاص للدين يختلف عن المفهوم العام
للإيمان " صـ464
فإن كانت هذه
شهادته على العقاد ، فقد ترك لنا العقاد نفسه عدة كتب – شعرا ونثرا – تحمل رياح
السيرة ، فإن تجاوزنا عن ديوانه " وحى الأربعين " فلنا أن نتوقف مع كتبه
:( حياة قلم ، أنـــا ، عالم السدود والقيود " ) والكتب كلها سير ذاتية ،
خاصة كتابه "أنا " والذى انتقل من مقالات مجمعة فى الهلال إلى كتاب خاص
، أما عالم السدود" فيحمل تجربته التى سجن فيها تسعة أشهر ، يهمنا هنا عرض
رأى آخر عن إيمانه ردا على ما قاله لويس عوض ، وقد أشار الكاتب الكبير طاهر
الطناحى فى مقدمة كتاب العقاد (أنا) حيث يرى " الطناحى " أن إيمان
العقاد كان عن قناعة ولم يكن مجرد وراثة ، فقد فتح عينيه على ابوين شديدى التدين ،
رأى أمه تؤدى الصلوات الخمس ، وتصوم وتطعم المساكين ... إلخ .
وهو كلام منقول
عن العقاد ذاته ، ويقره صديقه المقرب ، وهو ذاته يقر بإيمانه بشكل يخالف ما يثبته
لويس عوض ، حيث يقول إنه بعد تفكير طويل فخلاصة الإيمان أن تفسير الخليقة بمشيئة
الخالق أوضح من كل تفسير يقول به الماديون ، وما من مذهب اطلعت غليه إلا ويوقع
العقل فى تناقض لا ينتهى " .
أما كتابه
" عالم القيود والسدود " فيخلو مما نجده فى كتب أخرى تشرح تجربة السجن
بإخلاص للتجربة ، لكن العقاد هنا لا ينسى ثقافته وأشعاره التى نجدها مبثوثة فى كل
صفحة ، بينما نرى الشاعر سمير عبد الباقى يحكى كل تفصيلة مهما دقت وصغرت فى كتابه
" زمن الزنازين " وقد حبس معه الدكتور لويس ، لذا فمن المتعة التلصص على
لويس عوض من خلال كتاب عبد الباقى ، حيث يصف حرصه على اللحم لا يتنازل عنه لطعام
أى زميل ، وتعاليه على المساجين ، فلا يتحدث إلا للصفوة ، وحين يتكرم لظروف قاهرة
ويمنح للزملاء حق الاستماع إلى محاضرته يجد هؤلاء البسطاء أكثر وعيا من مثقفين
كبار .
ولا يدرى أحد سبب الولع بتسجيل تجربة السجن مفصلة فى
السير ، وبين يدينا كتاب حديث هو " م الدار للنار " يقص فيه الكاتب
الكبير فؤاد حجازى قصة حياته بطريقة انتقائية ، غير ملتزمة بالتسلسل الزمنى ، رغم
أنه يبدأ بالميلاد (ولقد وُلِـدتُ في بيت خلف فرن المصري، في شارع
البياع، غرب حي الحسينية بالمنصورة ) ثم تبدأ رحلة الفضح الهادىء
(عندما
كان الأولاد يغضبون مني، يعايرونني بقولهم :
-
يا ابن الطباخ
لم أسمعهم يعايرون أحداً بذكر مهنة أبيه ..
مبيض المحارة؛ النحّاس؛ القهوجي؛ الحدّاد؛ النجار؛ بائع الخردة؛ بائع الجيلاتي؛
وغيرها من مهن آباء أبناء الجيران . )
ثم
الخجل من عدم الحصول على شهادة جامعية (ونفس التهرب
يعتريني عندما يسألني أحد عن مؤهلي الدراسي الذي حصلت عليه. أتلعثم، ولا أدري كيف
أجيبه). ثم عن مشكلاته الطبيعية (كنت أبولُ على نفسي في هذه السن المبكرة، في سن
السابعة، عندما التحقت بالمدرسة الابتدائية عام 1946. ثم عن مشكلاته التعليمية (كان يدرس لنا مادة
الحساب أستاذ ضخم الجسد، رخوه، عريض الكتفين. وكنت شاطراً في الجمع والطرح
والقسمة، وفي الثانوي، لم أستوعب الجبر، بالرغم من محاولاتي، وكنت أعجز دائماً في
حل المسائل الهندسية.
هنا
نموذج للفضح الكامل بلا مواربة ، ولا اصطناع بطولة ، مثلما رأينا عبد الله الطوخى
فى كتابه "دراما الحب والثورة " وهو كتاب محدد الهدف ، يسعى لشرح تطور
حضوره ككاتب وصحفى ، لكنه لمرة واحدة فقط ، ينخلع من مسيرته إلى لحظة فضح عميقة ،
حين يصله خطاب يشير لخيانة زوجته له أثناء فترة سجنه ، هو يكتب بحرص ، ويشرح ذلك
بأننا ونحن نكتب السيرة الذاتية مقيدون بحقوق آخرين علينا ، لا نستطيع فضحهم ،
ولذا يحكى لنا قصة الخطاب ، وكيف تذكر الفنان على الشريف - وكان سجينا سياسيا - وهو يقول له عن زوجته " متخفشى على الزميلة
، دى بألف راجل " وقد عادت له ثقته بزوجته ولم تغادره أبدا .
ولنتوقف
هنيهة أمام " شكرى عياد " فى سيرته الهامة (العيش على الحافة ) وهو
يتألم كمعظم الأدباء كتاب السير أمام الحقيقة التى يتوجب قولها ، والتى قد تمس
آخرين ، فـ إبليس اللعين ما يزال يخترع كل يوم من أسباب الغواية ما يشوقنا إلى
المغامرة ) ولذلك يسرد لنا عياد تجربة جنسية لم تتم ، إنما مجرد غواية تعرض لها فى
فترة الصبا ، المشكلة أنها تجربة مثلية ، حين نام عنده زميل ، سمع عنه شائعات حول ميوله ، وقد ساهم جمال الفتى فى
تاكيد الشكوك ، وحين ( أطار الهواء اللعين ذيل جلباب الصبى وهو نائم ، فأصابتنى رعدة ، رعدة فى عز الصيف ،
ولم أستطع أن أقاوم ، فخطوت خطوة أو خطوتين وأخذت ألمس فخذيه بأصابعى ، ثم استولى
علىّ الفزع ، وعدت إلى مكانى " صـ100
وتتكرر نفس المحاولة الفاشلة ، حين يتفق مع زميلين على جلب واحدة من بنات
الهوى ، وحين جاء دوره وجد من يستعجله لحظة دخوله ، فاشمأزت نفسه وترك الأمر ، لذا
يقول ببساطته المدهشة (أهذه سيرة ذاتية ؟! والله خسارة فيها الاسم ) . وهو نفس
شعور الفيلسوف زكى نجيب محمود فى كتابيه " قصة نفس " و" قصة عقل
"
ونفس
هذه اللحظة التى مر بها المفكر العملاق أحمد أمين ، فى كتابه الهام " حياتى
" وهو يتساءل : وما " حياتك " هذه التى ترغب أن تقدمها فى كتاب
للناس ؟ فما كنت سياسيا خطيرا ، ولا مغامرا كبيرا ، ولا زعيما ، فلمَ أكتب كتابا
عن "حياتى " ؟
ثم يتحدث فى صراحة تامة عن قسوة الأب التى
كانت غلافا لحنان بالغ يتخفى داخله ، وعن ضعف الأم وأحزانها ، وعن قلة اهتمام
الأبوين بمرض أبنائها ، وعن طفولة يعصر ذهنه فلا يجد بها شيئا يذكر ، وعن زوجة لم
يربط بينهما سوى المصادفة التى جعلته تقبله وجعلته يتحملها ، ولذلك يقول أن اختلاف
الطباع كان أمرا طبيعيا ليس بينى وبينها فقط ، بل بين بيتينا اللذين خرجنا منهما ،
كانت تعيش فى بيت يصاحبه المرح دوما ، وكان بيتنا مليئا بغربان البؤس والصمت
والخوف ، ولذا ظنتنى زوجى نادما على الزواج بها لما رأتنى دوما دائم الصمت والعبوس
، كثير الانشغال عنها . ثم يصف محاوراتهما " وكانت لى نظرية فى الأولاد تناقض
نظريتها تماما ، ذلك أنى كنت أرى اقتصار العدد على ولد أو ولدين ، لنحسن تربيتهما
، ونركز اهتمامنا بهما ، ولا نرهق ذاتنا بمشكلات لا تنتهى ، وكانت تعتنق هى نظرية
مخالفة ، نظرية شهيرة بلا شك تقول لكل امرأة " قصقصى ريشه لئلا يطير "
واغلبيه بالعيال ، وما إلى ذلك من نظريات عجيبة تعتنقها النساء تتساوى فى ذلك
المتدكترة والمتجهمة والجاهلة والعالمة ، والواقع أن نظريتها قد غلبت نظريتى ،
وآمالها قد ساقت أماها آمالى ، فرزقنا الله تعالى بعشرة أولاد توفى منهما اثنان
وابقى لى الله ثمانية : ستة أبناء وابنتان ...
فإن التمسنا هذه المنطقة فى سيرة الابن – الدكتور جلال أمين – والتى عنونها
بـ " ماذا علمتنى الحياة " سنجد شجاعة فى الكشف الفاضح عن طبيعة البيت
الذى عاش فيه ، وسنجد لديه الشجاعة ليصدمنا بطبيعة العلاقة بين الأبوين ، وكيف كان
الأب قليل الكلام مع زوجته ، وكان ينادى عليها بقوله "يا ولد " وكانت
الأم تسخر متساءلة : متى ترقى ويناديها " يا بنت . وكيف جمعت من جنيهاته
مبلغا واشترت نصف الفيللا الصغيرة التى كانوا يعيشون بها ، ثم اشترت بقيتها من
الأب ، ثم طلبت منه ان يدفع لها إيجارا ..
سيرة مدهشة وشجاعة ، خاصة أن شجاعة كاتبها زادت بعد وفاة غالبية من كتب عنهم بشكل
متجرد.
ـ على تـخوم الفن :
ومن المفكرين
إلى الفنانين ، ونجيب الريحانى كان بدعا بين الفنانين ، حيث تبدو مقدرته مدهشة على
الكتابة ، وعلى التلوين اللغوى ، وعلى اختيار الحدث بوعى نابع من ثقافة تليق بفنان
حقيقى ، سنجده فى المقدمة يقرر" وأصارح القراء الأفاضل بأننى كلما سردت واقعة
فيها ما يشعر بالإقلال من شأنى ، كنت أحس السعادة الحقة فى هذه الآونة ، سعادة
الرجل الصادق المؤمن ، حين يقف على منصة القضاء ، فيقول شهادته الصحيحة ، ويغادر
المكان مستريح الضمير ، ناعم البال ، هادىء البلبال " .
ثم يبدأ من
الصفحة الأولى بذكر الدور الكبير الذى لعبه شيخه الشيخ بحر الذى حببه فى اللغة
والإلقاء والفن ، لكنه ينخلع من المداخل التقليدية ، ويبحر بنا فى سطوره الأولى
إلى غرامياته العديدة ، حين كان ينافس أحد متعهدى الحفلات على قلب فتاة ، وكان
المتعهد فقيرا قبيحا ، ولذا كانت المنافسة سهلة ، ومن هنا يدبر وسيلة لدعوة
صاحبتنا للإسكندرية بعيدا عن المتعهد وعيونه الراصدة ، ويأتيه المتعهد ليقترض منه
مالا ، فيفرح الريحانى ويعطيه عن طيب خاطر ، ويجرى لصاحبتنا ، بعدما (حمدت الله
أنى زحلقته ) وعلى رصيف المحطة وجدت "الكتكوتة " على أحر من الجمر فى
الانتظار ، أما المفاجأة فقدوم المتعهد الذى جلس بجوارها ، بينما ترك الريحانى
يتقلب على جمر النار .
ويظل
الريحانى خاليا من العمل ، حتى يعثر على
وظيفة بشركة السكر بنجع حمادى أقصى جنوب مصر ، وينطلق مخلصا للعمل ، ولكن يفاجئه
ظرف خاص لا يستطيع مقاومته ، إنها زوجة باشكاتب عجوز كان كل همه " أن يتلو
الإنجيل ويستوعب معانيه " وكانت له زوجة على جانب كبير من الجمال ، وقد وقع
الريحانى فى غرامها ، وبادلتها هوى بهواه ، وتطور الأمر فاتفق معها على زيارة فى
وسط الليل ، مستغلين سفر الزوج لأمر ما ، وقد تركت العاشقة الباب مواربا لعشيقها ،
لكن الخادمة أعادت إغلاقه ، فجاء العاشق ليجد باب الهوى مغلقا ، " واستشرت
شيطانى فيما أفعل ، فدلنى – قاتله الله – على منفذ فى السقف ، وبالطبع النهاية
معروفة ، كانت فضيحة ، وجاء الغفر وقبضوا عليه ، واكتفوا بطرده من العمل .
ويبدو أسلوب
الريحانى شبيها به ، متأرجحا بين الفلسفة والسخرية ، بين الجدية والمزاح ، مظهرا
روحه الطيبة ، ومقدرته ككاتب ، رغم أن الغالبية من الفنانين يبدون غير قادرين على
الكتابة بهذه الأريحية ، ولذا ظهرت مذكرات محمد عبد الوهاب مكتوبة بقلم الصحفى
لطفى رضوان ، عن كتاب الهلال ، ويبدو أن الجلسات بين الكاتب والفنان كانت على
فترات متقطعة ، وبدون إعداد ، ولذا جاءت سيرته الذاتية أقرب لحالة البوح والدردشة
، وهو يتحدث كاشفا عن رغبة صادقة فى فضح الذات الطفلة ، وهى تكاد تكون المرحلة
الأكثر وضوحا فى مسيرة عبد الوهاب ، حيث يتكرر سعيه للغناء ، ويتكرر ضربه بقسوة
وعنف من جانب شقيقه الشيخ حسن ، مما يستدعى هروبه ذات يوم مع فرقة السيرك ،
واضطراره للنوم فى مكان البهائم ، ثم تعرفه بفوزى الجزايرلى ، وكيف نقده خمسة قروش
كاملة ، وماذا فعل بها ..
فى صحبة السياسيين :
هذه أسوأ مذكرات ، هى خالية من اللمحات ا
لإنسانية التى تمنح السير طعما ورونقا ، وتلقى بها فى باب التاريخ أكثر من الإبداع ، وبين يدينا " قصة حياتى " وكاتبها بعدما حدثنا عن طفولته وتعليمه وأبيه عمدة قرية برقين بالدقهلية ، يبدأ فى سرد تجربته مع الإنجليز ، ولم يشر لما عرف عن حزبه من ميل للتصالح معهم ، أو التواءم مع القصر ، وترك الكفاح الفعلى ، لذا فالسيرة هنا – وهى إملاء منه لكاتب ما – لم تفصح عن دواخل صاحبها ، ولم تقدم "إنسانيا " بقدر ما قدمت تاريخا . وكذلك أمامنا عدة سير عربية مثل سيرة المثقف الكويتى الكبير أحمد البشر الرومى قراءة في أوراقه الخاصة والتي رصد فيها الاحداث منذ ثلاثينيات القرن الماضي وهناك «مذكرات خالد سليمان العدساني». وهو واحد من بين ثلاثة وزراء كتبوا مذكراتهم، حيث كتب وزير التربية الاسبق الاديب د يعقوب يوسف الغنيم مذكراته في كتابه «همس الذكريات» وألف وزير التربية والصحة فيما بعد كتابا في سيرته الذاتية تحت عنوان «فى مرابع الذكرى، وبشكل عام تظل السير الذاتية العربية تقف على حدود الخشية والمفترض والواجب ، وتخشى الكشف التام عن الذات ، كما تجدها تتعارض معا ، فهناك من لا يكذب ولكن يسكت عما يجب قوله ، فى كل الأحوال ، كانت السير وستظل محطة ممتعة للتطهر والفرح إلا قليلا .



