سمير الأمير كفر بالشعر وعاد فى :
"ردح شعبى " .. للرهان على وعى الناس
إبراهيم محمد حمزة
- "سمير الأمير " وريث شرعى لبيرم وحداد وجاهين وجابر أبو حسين شاعر الهلالية ، سمير أيضا ابن بار لترانيم جدته الشاعرة بالفطرة ، كانت الجدة تأخذه فى حضنها تسقيه عسلا وشعرا ، سمير – حقيقة – ابن بار لأوجاع هذا الوطن ، الوطن الحقيقى ، بعيدا عن هؤلاء الذين يأكلون الوطن ويشربون دمه فى الفضائيات والمقالات واللقاءات ، يحبون مصرثم يلتهمونها التهاما ..
- صراع السياسى والفنان :
فى ديوانه الأخير " ردح شعبى " يرتقى سمير الأمير سدرة المنتهى الشعرى ، يتجاوز فيه منجزه السابق فى ديوانيه السابقين " يصل ويسلم للوطن " و" مجرة الروح " ، يرتقى الشاعر أحيانا حصانه الشعرى ، وأحيانا يعرج على حوارى الزجل ، ويدور بتخومه ، لكنه فى كل حالاته لا ينسى قضاياه ، وهو فى هذا واحد من المبدعين القادرين على تطويع السياسى للشعرى ، حيث يتخلص من الصوت المتكرر ، والجفاف التعبيرى ، والطرح العقلى .. " ريقكم بيجرى على إزازة الكوكاكولا / أول ما يضري مدفع الأسطول / هو اللى مات فى رام الله مش منكم ؟! / هو اللى مات فى العراق مامتشى بإيديكم ؟!/ الله أكبر عليكم / الله أكبر عليكم شيوخ عرب أعراب ... "
هنا عودة للشعر الأصيل القادر على مداعبة وعى الناس ، ودفعهم للتفكير ، واللفظ الشعبى هنا فى قمة عنفوانه ، وتفاعله مع قارئه ؛ مانحا لغته قدرة أخرى وزوايا جديدة للتأويل غير المعجمى ، تأويل مجتمعى معجون بظلال نفسية جديدة ، فتعبير " الله أكبر عليكم " ينال دلالاته من معناه الاجتماعى لا الدينى ولا اللغوى .
وهو ما يدفعه للتعبير المستقيم عن مشكلة سياسية خطيرة يقول :
الحزب الوطنى أرحم واللا الإخوان ..
مطلع القصيدة هنا مباشر بلا شك ، والرد يصعد بقارئه وبمستوى التعبير اللغوى لديه إلى آفاق أرقى وأرحب :
(الحزب الوطنى بيمارس طغيانه / على أكلك .. شربك .. لبسك / لكن الإخوان بيمارسوا طغيانهم على قلبك / وإن جيت للحق / أنا مش طايق الاتنين )
إن المباشرة الممقوتة تتحقق فقط فى حال الطرح الخالى من وجهة النظر ، أى المسح الألى للحدث ، مع خلوه من المشاعر ، فغياب الرؤية والعاطفة هو ما يجرد الفن من فنيته ، ويلقى به فى سلة المباشرة المرفوضة، والأدب السياسى بطبيعته مباشر ، يميل إلى ما أطلق عليه " ستندال " الطلقة فى الحفل ، حين يقول " السياسة فى عمل أدبى مثل طلقة مسدس وسط حفل موسيقى ، عالية الصوت ، وسوقية إلى حد ما ، ولكنها شىء لا يمكن رفضه لجذب الانتباه " هى إذن المباشرة المطلوبة المقبولة ، وشاعرنا " سمير الأمير " يمد حبال سخريته لجبال واقعه ، بل يمد سخريته لذاته ، ثم يسحب قارئه ببراعة إلى تصديق واقع مختل :
( دى الوقت العالم يصغر / ويخش معاناالأوضة / ويصبح سهل / وقابل للتغيير )
هنا نصل لمفهوم عام للعولمة بلغتنا نحن ، وبعقلنا ، وبمفرداتنا اليسيرة ، تلك التى ألغت المقاومة ، ودمرت الوعى ، وخربت الهوية ، حتى وصلنا للراحة ، راحة اليأس ، لكن الشاعر يحمل لك مفاجأة مدمرة :
( بس اتأكد يا طرمبة إنك لمّا تفوق / حتلاقى إنك لسّه / اسم الله عليك متربع على إيه ؟/ على إيه قولى إنت ؟! / اصل أنا مخنوق / أصل اللى ميتسماش حصّل زورى / بقيت مكتوم من تحت وفوق )
هذه سخرية مصرية مذهلة ، اختار سمير الأمير أن يعبر عن قضية سياسية كبرى ، هى قضية الأحزاب ، وقرر فضح حالة التسييس التى يتعرض لها المعارضون : ( كل الأحزاب الوطنية / فى الحفلة بترقص سواريه / بترقص على لحن العسكر )
- على تخوم الزجل :
للزجل قيمته الفنية البديعة ، حيث لا فاصل تخييلى بينه وبين قارئه ، ولكن المشكلة تثور حين يتجاور شعر وزجل ؛ فيأتى الأمر ضارا بالفنين معا ، وهو ما تكرر فى ديوان " ردح شعبى " كقصيدة " القناة بتاعة السويز " التى تمثل نموذجا للوقوف عند حدود الزجل ، فرغم أن القصيدة تطرح قضيةالعمالة للغير ، فإن الطرح لا يصل لمستوى القضية ، خاصة مع تهاوى مستوى التعبير والصورة معا :
( مين مدلس مين جبان / فيه كلام قبيح يغيظ
برضه بيفلت م اللسان / لما تبقى دماغنا ......)
وسترى ذلك أيضا فى " يوم الزيطة " و" المدرسين كمان مرة " و" بيان غير هام من واحد عايز ينام " وهى قصائد رغم سخريتها الرائقة ، ويسر تلقيها ، تظل دخيلة على غيرها من قصائد الديوان بعذوبته وشاعريته حاملة وعيا منسابا فى مواجهة " كل ظروف القهر والتخلف والتبعية " بتعبير سمير عبد الباقى بدراسته لديوان سمير الأمير " يصل ويسلم للوطن " الصادر عام 2001م .
- اللعب على المضمون :
رغم صغر حجم الديوان ( 74صفحة شعر ، تحمل 32قصيدة ) فى شكل مغاير مميز لإصدارات كتاب المرسم للفنان أحمد الجناينى ، بقطعه المختلف عن السائد وغلافه المكون من غلافين الأعلى به شباك يطل على لوحة كاملة بالغلاف الأدنى ، مع تكامل بديع فى اللون بين الغلافين )
أقول رغم صغر الديوان حجما ، فقد حمل محاور مضمونية شديدة التنوع ، تتقاطع لتتصل ، حول المقاومة ورفع الوعى ، نجد العراق حاضرا وفلسطين والأحزاب ، والفلاحين والوحدة العربية والتسلط والقهر والمرأة وكذب المشايخ ، والحكام .... إلخ
تحول الفقر من فقر شخصى فى شعر سمير السابق ، إلى فقر عام فى هذا الديوان ، لأنه ينطق بتراث القهر العام للناس ، تحول الشاعر هنا لصوت من لا صوت له حيث يراهن على وعى الناس ، عن طريق زيادة وعيهم ، وتحويل قضية الفقر إلى دافع للتغيير :
(يا أيها المساكين / كونوا انفجار الغضب / كونوا انتفاض الحياة والطين /
وماتكونوش مساكين / يا أيها المساكين ) .
حتى فى حالات التعبير بالأنا ، تكون هذه الأنا تمثيلا للمجموع الكلى ، وتعبيرا عن أوجاع كاملة شاملة ، متخذا الأسلوب الساخر فى طرح الحال ، عبر بحور قصيرة راقصة تصنع تقابلا مع المضمون ، حيث تلقى بالسامع إلى تراثه الشعبى فى أشد تجلياته ( وحكمنى الحاكم بالنبوت / ولقيت البحر بيجرى ورايا / رتبت الحال على عكس هوايا / أنا مصرى عجيب / مستعجب ليه ؟ / قرص الطعمية بربع جنيه ) .
ولسنا بحاجة إلى إقرار الشاعر الإنجليزى ماثيو أرنولد بأن الشعر يقوم على المعنى والمعنى بالنسبة إليه هو كل شىء " تلك التى أعجب بها " ريتشاردز " لدرجة جعلها مدخلا لكتابه الهام " العلم والشعر " فلدينا تراث نقادنا القدامى ، ويتوسط جلستهم " قدامة " فى نقد الشعر " يرى المعانى كلها معروضة للشاعر كالمادة الخام ، ثم لا يرى فى " فحاشة المعنى " ما يزيل جودة الشعر " ، ولذا فـ " سوقية المعنى هنا – فى تصورى - اجمل مناطق إضاءة سمير الأمير ، لأن السوقية هنا مرادف للشعبية ، وهو شاعر شعبى بلا شك ، بل أنه جعل ديوانه "ردحا شعبيا من تراث القهر " لذا تتعجب أن :
" علف التيوس ييجى بسهولة / بس اللى عالف سانن السكاكين / اعدل دماغك ، وافهم الفولة / فيه ناس مواشى وناس جزارين / وكان زمان فيه ناس بشر / كانوا تلات أصناف مافضلش غير صنفين / المذلولين بالرغيف واللى قلوبهم حجر "
هؤلاء " المذلولين بالرغيف " - والشاعر منهم - حيث "بقيت سجين يومى ورزق عيالى " ... " وليّه لقمة عند الحكومة " .. هذا التوحد الفكرىفى نصوص الديوان المختلفة ، تؤكد على وضوح ثوابت الشاعر ، رغم قدرته على تضفير الفكرى بالفنى على أعلى مستوى .
الاحتياج للشعر .. والكفر به :
هو الشعر إذن بجنونه وحالاته وإحالاته ، وقدرة صاحبه على التقاط لحظات الأمل ، ولحظات اليأس ، لا شعر بدون إقلاق روح من يسمعه ، الشعر إن لم يزلزل كيانك ، ليس شعرا ، إنما مزيل عرق ،
( إنت النبيل المكتفى بالشعر ) أو ( مين اللى قال الشعر بيضرك ) ( قادرة القصيدة تنجدك م الموت )
هذا الإيمان بالشعر يتحول فى لحظات الأسى والضيق إلى كفر بالشعر ساعة صدمات اليأس المكهرب .
(لا شاعر ولا نيلة /ولا اتعلمت من دنيتى / غير الكلام وقلة الحيلة /يا أيها الناس اكرهونى ) ثم ....
(برىء كمان من كلمتى وجبان ) أو ( الشعر ميت يستحق الموت ) وبين الإيمان بالشعر والكفر به ينشد الشاعر شعره .
مولانا" إيهاب توفيق ":
ورغم ثراء الديوان وعمق رؤاه ، لا يمر على القارىء روح السخرية الشديدة المصرية ، وما يمكن أن يسمى بالتلقيح " فى الردح المصرى ، فى قصيدة " ملوك تانية ابتدائى " يرسم جدارية كبرى باتساع الوطن العربى ، وبينما أطفال فلسطين يرسمون مستقبلها تجد ( صاحبك صدمنى كنت فاكره زعيم /فجأة اختفى وساب الغنم شاردة / صنف العساكر صنف واطى لئيم / وبياعين اوطان وبياعين خردة )
هذه سخرية مؤلمة ، كأنها انتقام بالكلمات ، التهكم هنا – كما يذكر النويرى – فى " نهاية الأرب " يختلف عن الهزل ، فالتهكم ظاهره جد وباطنه هزل ، على عكس الهزل " .
ويبدو صراع الشاعر مع العسكر مستديما ( يا محنى إيدينا بالحنة / ابنيلنا وعلى فى الجنة / وادى الغولة بيت فى النار / جنب العسكر والتجار ) والأثر الشعبى فى الصياغة بين ظاهر .
وفى واحدة من نوادره نجد قصيدة "حب بح " شعرا منسابا مذهلا فى عمقه ولطفه وسخريته وألمه وانسياقه للتعبير الراسخ لدى الشعب " معاكى شموعى مش قايدة – يا بنت الناس )
إنه يعبر عن حالة خصام زوجى يصعب العبير عنها ( تمن تيام وكان نفسى / أقضيهم فى حضنك يا أم قلب حديد ) ويشخص حالة الغباء النسائى الدائم بقوله ( ياريت ياختى تخليهم تمانين عام )
...............
وهكذا يستمر انتقام الشاعر الساخر من الكذب والغباء جتى يصل لـ "مولانا فى البنك " وهو يرتدى البنطلون فيسأله عن سبب سوء أحوالنا ، فيرد مولانا (إيه يافندى هو شغل عيال / الفقر أحسن للفقير م المال / والحمد لله الموبايل فى إيد الكل .... مولانا مش معقول .. مش إنت مولانا ؟! / والله فكرتك " إيهاب توفيق " .
المقال نشر بجريدة القاهرة
ردحذف