قبلات مميتة .. وفتنة السرد الجميل
(قراءة جمالية ) إبراهيم محمد حمزة
(قراءة جمالية ) إبراهيم محمد حمزة
هذه المجموعة القصصية الجديدة لسمير الفيل ، تمنح القارىء العاشق لكتاباته يقينا بأنها مختلفة عن سابقاتها
( يمين شمال / مكابدات / صندل احمر ) يقين بأنها رحيق نهائى لتجارب حياة كاملة ، هذا هو الحصاد فنيا وإنسانيا ، يحاول الفيل هنا اللحاق بما تركه ، وما انشغل عنه ، فبعد أن أهدى كتبه لكل شىء ولكل شخص ، ووصل بها إلى الصرم واللكلوك ، يتذكرأعز أنثتين باقيتين فى حياته : الزوجة والحفيدة ، ويهدى كتابه إهداء أسريا للغاية .
ثم يضم فى مجموعته أشتاتا متخالفة فى طريقة السرد ، وفى وجهة النظر ، وفى حساسيته مع اللغة ، وحتى فى الحجم ، باختصار مجموعة المجموعات . شعورى تجاه المجموعة أن كاتبها تعالى عن القضايا الفنية لغاية طموح ، أن يصل بإبداعه إلى غاية إنسانية هى الغاية الجمالية ، ومن هنا شعرت أن الرؤية الجمالية أكثر مناسبة للنظر فى المجموعة ، لأن علم الجمال هنا – باعتبار النسب الأصيل بينه وبين النقد الأدبى – أكثر مناسبة لهذه المجموعة ، للكشف عن بعض تميزها ، وقدر من تألق روح كاتبها .
ــ لماذا إذن :
- لماذا يكتب سمير الفيل ؟ ولماذا يقتطع – كغيره – بعضا من فتات ماله ليطبع ويوزع ويسافر ويناقش ، لماذا هذا الوله بالكلمة بعدما يقارب نصف قرن من الحراك الثقافى المخيف والمذهل لدى سمير الفيل ؟
خاصة وأن الناس فى أيامنا – بتعبير هيجل فى كتابه "مقدمة فى علم الجمال – الناس فى أيامنا هذه ما عادوا يوقرون عملا من الأعمال الفنية " صـ34
نعود للعم سمير وأسباب الكتابة لديه .. إنه يكتب ليدافع عن حياته وذاته ، ليدحض الموت – بتعبيره – وقد اكتشف قانونا أتعب الجماليون أنفسهم كثيرا فى البحث عنه ، قانون أن كل ما يمتعك وأنت تكتب سيترك نفس الأثر عند من يقرأه " وهى غاية جمالية للكتابة ، شديدة الرقى ، وفكرة شديدة النبل .
وقبل أن نحوم على الحمى ، يحسن الاندفاع نحو النص ، وقد قرأت عبارة للدكتور محمودالربيعى يقول فيها ( أرى المشهد النقدى الآن ينسحب فى تخاذل إلى مجالات العلوم الإنسانية الأخرى ، مخلفا وراءه أفضل ما يمتلك من رصيد ، وهو الاستغراق فى النص الأدبى ، وعجبى لمن يتخلى طواعية عن ميدانه الأصيل ويترك مقلعه الحصين ، ويلهث للحاق بميادين أخرى ، مؤكدا انكشاف الأيام القادمة عن خطأ البدء من النظرية لا النص الإبداعى ) العربى – مارس 2007م
هنا الكاتب قد قدم مجموعة من القصص المجزأة ، ( شواهد – حكايات السرير – قبلات مميتة ) فى هذه القطع القصصية التى يجمعها المغزى مع اختلاف الموقف المحكى ، سنجد أن كل وحدة قصصية مكتوبة فى جلسة واحدة ، وهى مسألة تحتاج إلى قليل من التأمل ، فرغم أن قصص كتبت خلال خمس سنوات ، فإن سهرة وحيدة كتب فيها المبدع خُمس حجم المجموعة ، يكفى تصور قدرة الكاتب على أن يكتب خمسا وثلاثين صفحة من الإبداع فى سهرة واحدة يوم الأحد 4/11/2007م مثلما كتب أيضا فى سهرة أخرى ( قبلات مميتة – الملموس- فتاة ليلية – قرصان – لملوم ) يوم 3/2/2008 م معنى ذلك أننا أمام كاتب ملهم بمعنى جديد ، هو إلهام الفيض ، والدليل أنه لا يكتب بشكل موازٍ ، إنما على دفعات عنيفة ، وهذا الإلهام كما يقول يوسف خليل أسعد فى كتابه " سيكلوجية الإلهام " – لا يتأتى لأولئك الناثرين والقصاصين الذين يميلون بطبعهم للتقليد ، بينما يمتلكه العصاة والثائرون والمارقون عن الطرق التى سبقهم غيرهم إليها " ، فالملهم يبحث عن الجديد دائما ، ولذا فإنه يكون مستعدا لتلقى الإلهامات مهما كان مصدرها " صـ 76
فكيف يصوغ "سمير الفيل " قصته ؟
إنه يقتحم قلب القصة بشكل مباشر ، متجاوزا حكايات كثيرة سابقة على السرد ذاته ، اختراق مباشر للنص ، بلا متكئات بلاغية وبلا تمهيد وبلا لغة جمالية تثقل النص دائما ، سنجد مدخل قصة " طلاء أحمر " تبدأ بقوله ( طلاء أحمر .. وضعته بالفرشاة على أصابع قدمى ، طلاء أحمر أخاذ يخطف الأبصار ) الطلاء هنا – مع دلالته الفنية والجنسية – يخفى تحته حقيقة مخالفة ، لذا يأتى الخف رماديا ، ليواصل دوره فى الإخفاء والتمويه ، لما فى قلب الراوية تجاه الزوج الذى قررت قتله ، حيث خانها مع " هدى " والاسم هنا رغم دلالته على المخالفة إلا أنها جاءت مخالفة عفوية ، ثم تأتى لحظة الإغواء مزدوجة ، ( دفعت بيدى باب حجرة النوم ، رأيته يلهث ويخرج لسانه من العطش ، بيدى إبريق من الزجاج الشفاف ، وماؤه ملطف بالمزهر ) هكذا يأتى العطش والماء كعنصرين بنائيين ، محملا لكليهما إمكانات الواقع والرمز بهما معا ثم يكمل الزوج – فتحى – القضاء على الماضى كله حين ( كسّر الزجاجات البديعة التى احتفظتُ بها رغم نضوب العطر منذ سنوات ) حقيقة براعة تامة فى الرمز ، الذكريات التى تحولت عطرا ، نضبت رغم التمسك بها ، ولذلك لا تملك الزوجة القاتلة سوى تحريك جثة الزوج ناحية القبلة كى يرحمه ربه من آثامه .
من خلال القصة – كنموذج – وجدنا فكرة البداية الاختيارية التى تحدث عنها " هيجل " كمبدأ جمالى ، فى "مقدمة لعلم الجمال " صـ 345 باعتبارها جزءً من العمل ، ضاربا المثل بـ هوميروس " فى الإلياذة حيث بدأ بالحديث عن غضب أخيل دون ان يحدثنا عن سوابق هذا الغضب "
وهو ما يحرص عليه "سمير الفيل " مؤكدا جمالية جميع كتاباته ، مهما قبح المشهد المعبر عنه ، فقد رأينا فى قصة " شباك " مشهدا للراوى ، يرى فأرا يدخل من الشباك ، ليقرقض الفول السودانى تحت السرير، لكن الراوى يرى فأرة بنية اللون ، تغمز له بطرف عينيها ، وحين يستجيب لفضوله ، ويتلصص على الفأرين ، يرى (ما لا يمكنه البوح به ) هذه لوحة فنية رشيقة بريئة من كافة صنوف "الأدلجة" ، نزع فيها كاتبها فكرتنا عن الفئران وما تسببه ، وابتسمنا معا لهذه الفأرة التى تغمز ، إنها واقعة جمالية متكاملة ، استجاب فيها كاتبها لآليات علم الجمال ، مقدما نموذج لما يسمونه تجميل القبيح ، ثم المزاج والمزاح الخالص فى نهاية القصة ، دائما تشعر بكلام كثير فى قصص سمير الفيل ، لكنه أضرب عنها صفحا .
ومن هنا تبرز الإجابة عن السؤال: لماذا ؟
والإجابة هنا أن الكتابة لدى سمير الفيل دائما واقعة جمالية ، ولذا فهو يصوغ تجربة ، دائما تجربة ، تجربة أقرب للحياة والتحقق ، والحياة مهما تكن – بتعبير أروين إدمان فى كتابه الفنون والإنسان – مقدمة موجزة لعلم الجمال – يقول بقدر ما يكون للحياة شكل ؛ تكون فنا " صـ22
فالتجربة فيض من فيوض الزمان ، ولذا يسعى الكاتب للإقناع البصرى ، من خلال المشهد فى القصص العنقودية المكونة من مشاهد متتالية لفكرة واحدة ، ويسعى للإقناع الحدثى / العاطفى . من خلال تشكيل جمالى يتم بوعى شديد جدا ،ويكفى تأمل استخدام الكاتب للألوان ، وتوظيفها بنائيا بشكل شديد الدقة والعمق والجمال ، سنجد ذلك فى قصص ، ربما أهمها ( أبيض وأسود ) و(طلاء احمر ) وهو تاكيد للعبة المشهدية التى ينسج بها الكاتب قصصه .
ـــ كيف ... ولعبة الإحساسات :
من التعبيرات الشجاعة لـ " هيجل " قوله " يتدخل الجمال فى جميع ظروف حياتنا ، فهو الجنى الأنيس الذى تصادفه فى كل مكان " صـ9 والفن هنا يسعى – من منطلق جمالى – لتمثيل ما أسماه هيجل بالوجود الروحى بشكل عام ، ولمّا كانت القصة – كما الشعر – لا تملك سوى اللغة ، صارت اللغة إذن آنية الزهر الفواحة بكافة ألوان الورود ، فاللغة لا غير هى مادتنا الخام فى تشكيل كافة أفكارنا وأحاسيسنا ، وعلم الجمال – الاستاتيقا – يطلق على علم تلك الإحساسات
والسرد بتعريف عذب للدكتور مصطفى ناصف يرى أنه " هو أسلوب الانتقام من اللهث وراء الرنين والكلمة والإقناع والاستحواذ "
ولذا فتأمل نص باهر مثل (أبيض أسود )يجعل القارىء مدهوشا مشدوها لكيفية صياغة تجربة عادية بهذا الشكل ، حيث يحكى حدثا بسيطا عاديا معادا ، رجل يسافر للعمل للخارج ، فتشغله الأموال عن الزوجة ، فيعود مريضا خاسرا للصحة والمال والزوجة ، أما الزوجة فوقعت فى شباك رجل آخر ، لم يلمس منها الجسد ، وإنما شاغل الروح ، فكيف قدمه الكاتب فى صياغته الجمالية للحدث ؟
يقول الجماليون وهم يتداولون حيرتهم أن هدف الفن هو إيقاظ النفس ، ثم يقولون أن مهمته هى التطهير ، ثم يقول" إدمان " أن هدف الفن هو " تلطيف الهمجية بوجه عام " نحن هنا فى حالة همجية صارخة استغلها الكاتب من خلال تقديمه لعشرة مقاطع متراكبة ، مكتوبة بلغة رهيفة شديدة الشاعرية ، من خلال اللمحات الصغيرة التى منحت القصة قيمتها ، هذه المحاكاة التى استخدمها سرديا كانت شديدة البوح ، كمونولوج حزين مؤلم (ترفع كفك اليمنى لتمسح خيط العرق المالح الذى ينزلق تحت عدسة نظارتك الطبية السميكة) فى المقطع التالى مباشرة ، توصلنا لغة الكاتب للحظة الحساب النهائى من خلال (يداك مغلولتان ، فبصرك اليوم حديد ) بهذا الإيجاز الباهر وبهذه التناصات المتعددة ( تلك حقبتك ، وأنت الواحد المجنون ) ربما تتذكر ( أنت واحدها، وهى أعضاؤك انتثرت ) ثم رحلة البلاغة ( عقلك الذى ذهب وأنت أسير ذهبك ) و (صرت أضحوكة كل حى يسكن ذلك الحى ) و
( يكشف سوءتك ، أنت أسوأ الناس ) ثم يصل التناص المتضاد لأقصى طموحاته (أطاح بعقلك فخلعت نعليك ) إذن هو الذى خرج من الوادى المقدس ، ترك جنته لخصمه الذى (ينظر من نف النافذة التى كنت تضع على حافتها زهورا فى أباريق من فضة وقوارير ) هكذا اكتملت صورة الخروج من الجنة عبر تشكيل جمالى اعتمده النص متقافزا بين بلاغتين : بلاغة راسخة ، وتجريب بلاغى حيث نرى توظيف "العرى والعراء" مثلا جاء فاضحا حيث الزوجة (عارية فى صقيع المدينة ، مغطاة بصفائح من رقيق الذهب ) ومع الاعتماد على التناص القرآنى الرهيف ( يسألونك عن هزيمة الروح ) وإعادة توظيفه بشكل دلالى جديد لا يحمل قداسة النص الأصلى ،ثم ختامه لهذه القصة الموجعة ( فسلام عليك أيها الشقى ، وسلام على المخدوعين الأبرار ) هكذا يكون الكاتب قد قدّم سرا من أسرارفنه المقدس ، مستفيدا بأقصى الطاقات الروحية للغة .
ـــ حول المشهد والحدوتة :
يبدو اعتماد الكاتب فى تقديم نصه على فكرة " المشهدية " واضحا فى المجموعة ، هذه المشهدية يتجلى فيها قناعة الكاتب بتقديم مشهدا يقتطعه من لحم الحياة الحى ، معيدا تشكيله بآلياته هو ،
تصديقا لرأى الإمام الأكبر للقصة القصيرة يوسف إدريس حين يقول " إننى فى كل قصة قصيرة اكتبها ، أشعر أنها محاولة جديدة لتعريف القصة القصيرة لم أقله ، إن كل قصة قصيرة هزتنى تماما كانت دائما لحظة تركيب كونى متعدد المكونات ، يؤدى إلى خلق مادة جديدة تماما عن كل المواد العضوية وغير العضوية ، مادة جديدة اسمها الحياة " هذا الاعتصار للواقعية لتنجب لنا قصصا ، يعاديه الجماليون أحيانا ، ويسعى " هيجل وكروتشيه " لفكرة الجمال الفنى ، والتى يرى هيجل أنه أسمى من الجمال الطبيعى ، لأن الفن من الروح ، ولهذا يسعى الفن لتمثيل الوجود الروحى بشكل عام ، ولكن هذه الرومانسية فى التعامل مع الفن لم تعد الأكثر تناسبا ، ولذا فالمشاهد التى يصنعها كاتبنا تنزع نزوعا نحو الواقع ، بلا تهويمات وصفية أو بلاغية مجردة ، بمعنى أن سمير افيل يقدمالفن تعبيرا عن الحياة ، وهنا نجده مرة مكتئبا باكيا ومرة ساخرا ضحوكا ، ومرة أخرى مازحا .... وهو ما عناه الراحل عبد العزيز حمودة فى كتابه "علم الجمال والنقد الحديث " حيث يرى أن الفنان يقدم فى هذا الواقع روحه ، ويقدم للقارىء مجموعة دلالات وتلميحات لا يستلهمها من تسجيلية الواقع ،إنما اعتمادا على الحدث الذى وصفه كروتشيه بأنه هو التعبير ولا شىء سواه .
فى قصة "نورس " مثلا رصد لمشهد يراه "البحاروة " لنورس ( هبط على الحافة المتموجة ، ولمس بجناحيه الخفيفين حافة الأفق ، كان نورسا وحيدا ) عناصر المشهد مرسومة بدقة آسرة ، الخط المتعرج الذى يتركه الموج المندفع لحظة ارتطام النورس بـ ( الحد الفاصل بين زرقة الأفق وظلال اليم ) رصد تام الدقة والإيجاز ، ثم اتساع مفاجىء فى الدلالة فى السطر الأخير مع قوله ( لقى حتفه كونه غادر السرب بلا استئذان ) ليظل الذين يقولون لا لا يرتوون إلا من الدموع ، هذه الجملة المطاطية منحت القصة طاقات تأويل صريحة وممتدة .
فى حين يقدم فى " الباشا مرمطون " شكلا مغايرا من خلال التقسيم (صفاته / نجابته / هشاشته / عصاميته / تجنيده / عمله / زواجه / نبوغه السياسى / صعوده الأخير /نهاية غير مؤكدة ) سنجد امتلاك الكاتب لما يمكن تسميه الإيقاع الداخلى ، وهو تعبير لسمير الفيل ذاته ، قاصدا الإيقاع الداخلى لدى القاص الذى يمنحه القدرة على التعامل مع اللغة والحدث والزمن والمكان بحرفية لا تخضع للتعليم ولا التقنية بقدر ما تخضع للإيقاع الخفى داخل المبدع ، ولولا وجود هذا الإيقاع ما نبتت زهور التجديد فى أرضية القصة العربية " .
ويبدو اهتمام كاتبنا بالشكل مختلفا ، لأنه يكتب فى كل الأحوال متذكرا القارىء ، الذى يبدو مخيفا لكاتب مخضرم مثل سمير الفيل ، هذا القارىء المتحفز أمام ما تخطه أيادى المبدعين ، مطالبا بحقه فى المتعة كقارىء ، فى قصص المجموعة
( أسود أبيض / الدلدول / الباشا المرمطون ) على اختلاف سبلها البنائية ، سنجد الشكل ضاما الحكاية بحنان آسر ، حيث يتوج الجماليون الشكل – بتعبير د. عبد العزيز حمودة نقلا عن كروتشيه (بأنه لا يمكن للفن أن يكون مضمونا فقط " لنقول نحن لا يمكن للقصة ان تكون حكاية فقط ، إذن فالرؤية الجمالية للشكل تعلى من قيمته ، حيث لا يتولّد الجمال من المضمون الجاف المباشر ، إنما من عناق ذكى بين شكل ومضمون ، ومهما اهتم النقاد بهذه الإشكالية فمردها إلى علم الجمال ، والذى يقول أحد علمائه – كليف بيل – الشكل هو الذى يخلق الشعراء "
لذا فقصة ( صديق العصافير ) والتى يبدو ان الكاتب قد كتبها على مقهى من مقاهى القاهرة ، تشعرك بشىء من التوتر الكتابى ، بداية من عنوان فاضح ، ثم تتابع زمنى متقلب متوتر ، ثم طرح مباشر :
( قلت : سبحان الله .. جندى يحمى الوطن صحيح
ضحك ساخرا : أحمى الوطن بقطعة خشب لا ذخيرة فيها "
هذا السقوط فى فخ الأدلجة ( الفكر ) صوره بأسى بالغ كاتبنا عبر أب – يصلح أن يكون الكاتب ذاته – يذهب لزيارة ابنه فى معسكره ، وفى هذه الرحلة نطوف فى رحلة مع الفتى منذ تربيته الأولى ، الحدث الرئيسى أن الفتى المجند قد وجد زميلا له متعبا نتيجة صومه ، فذهب ليحضر له الماء ، فحوكم نتيجة فعلته هذه التى هى مثال للشهامة ، لكنه يدفع ثمنها سجنا وتقييدا ، وهو ما ذبحه نفسيا ، وجعله يكفر بوطنه ، والأب الراوى غير قادر على التخفيف من آلامه لأنه غير مقتنع بسوى ما فعله الابن ، ولاقصة تلمح كثيرا للتربية وسبلها وتعيش معنا حيرة جميع الأباء ، ولذا فقد سعت القصة لتمرير فكرة على غير عادة كتابات سمير الفيل .
لا يمكن أيضا إفلات غاية جمالية أخرى لدى كاتبنا ، هى ببساطة " المزاح " او الفكاهة ، وإن كانت الفكاهة لها حدودها ، باعتبارها (كل ما ما شأنه أن يثير ميل الإنسان إلى الضحك ) كما يذكر دكتور نبيل راغب ، فإن مجموعتنا اشتملت كافة ألوان السخرية ، وإن كانت الفكاهة أكثرها إمتاعا للنفس ، وفى قصة " الرابط والمربوط " نحن أمام راو مريض ، لم يشغلنا بآلامه ، إنما حكى لنا حكاية لطيفة صبها عليه فى جلسة واحدة مرافقه رشدى ، حول زوجته التى أجرى معها بروفة قبل الزواج بأسبوعين ، وبعد الزواج ، اكتشف أنه مربوط ، فذهب للشيخ الجنيدى ،الذى فك ربطه ، ثم انجب الولد ، ثم أسرع رشدى لعمله بالمستشفى حتى لا يتأخر ، وكذلك يعود الراوى لسريره بالمستشفى ، ملامح الفكاهة تبدأ بلقطة لطيفة للديك ذهبى الريش الذى يصيح كوكو كوكو ، ثم حديث عن لوائح وقوانين وتعليمات تطرف عينها بربع جنيه أو نصفه ، ثم دخان الجوزة الذى يضبب نشرات الأخبار ، ثم تتعالى جرعة الفكاهة فى ( اقترض رشدى مائتى جنيها سلمها للشيخ جنيدى ، الذى كان عليه أن يتوصل للجتى الذى بدوره رفض أقل من خمسمائة جنيها ، لأن تكاليف السفر بعد غلاء البنزين قد ارتفعت لما فوق الطاقة ، وبعد مفاوضات مضنية تدخل فيها بشر وجن طيبون ، تم تخفيض المبلغ إلى ثلاثمائة وحمسين جنيها )
وهكذا تنتفى الغايات المفتعلة ، ليقصد الكاتب مباشرة إلى البهجة إيمانا بقول فولتير " إن الضحك خاصية تصدر عن مزاج مبهج " . وقد رأينا هذه اللمحات المتشابكة بين السخرية والمزاح فى قصص أخرى مثل ( الدلدول – الواد سيكا درن – الباشا المرمطون – سيرة حياة كلب ....)
ــ اللغة .. والانحياز :
فى كلمة للشاعر والناقد الإنجليزى ستيفن سبندر يقول "إن الكتاب هم هؤلاء الأفراد الذين لا تصبح الحقائق والتجارب مجرد أسماء فى نظرهم ، هم دائبو البحث عن تراكيب لفظية جديدة ، ترمى إلى إرجاع الحقيقة إلى الكلمات التى يستخدمها الناس بقصد التفاهم " صـ43من كتاب الحياة والشاعر .
هذه الكلمات تصور عذاب الكلمات فى عقل المبدع ، وعنت ومشقة رحلته مع الكلمة ،ولأنالحديث عن اللغة فى الأدب هو حديث عن كل شىء بتعبير دكتور طه وادى ، فإن الجماليين يرون فى علمهم (العلم الذى يبعث تلك الإحساسات ، علم موضوعه الخيال والحدس والشعور ) لذا سنجد فى قصة رائقة مثل "هدهدة " مشاهد معجونة بصبر القاص القدير ، وكما غالبية القصص تسيطر "المشهدية " على قماشة السرد ، فتمنح القارىء متعة التوصل لمعنى ، نحن أمام "يسرى البساطى " المُعلم الأزهرى والمأذون الشرعى المسيطر على كل شىء فى فصله ، وفى بيته وزوجاته الثلاث متدثرات بالرضا والقناعة ، وكذا هو ، غير أن منغصا يزوره من وقت لآخر ، إنها نعمة الإنجاب التى حرم منها ، ولذا حين يفتح له موضوع الزواج الرابع ، ويجد أمامه ممرضةولود ، لا يتردد فى ضمها لحريمه ، مجهزا لها عشة فى رأس البر ، وتخضر البطن ، وتلد تلك الجديدة الحلم الذى انتظره الأب ، لكن الحلم ميت ، ويكاد الجنون يصيبه ، ثم تنتهى القصة بنهاية جمعية عجيبة ( مضى ينتظر أمر ربنا ، وإنا معه لمنتظرون ) هذه القصة تخضع تماما لعلم الجمال وقوانينه ، حيث يفرح الإنسان – كما يقول هيجل – بقدرته على خلق عالم موازٍ ، لكن هذا لافرح ما يلبث أن ينقلب إلى وهم ، فالمحاكاة لا تمثل الفن " إذن فالفن – من وجهة نظر جمالية – يهدف لتلطيف الهمجية التى تحدثنا عنها كما يهدف لسرور النفس وتطهيرها ، وهو ما فعله سمير الفيل هنا حيث يقدم فى " هدهدة " عالما نظيفا تماما ، عالم مرسوم فى لوحة ممكنة الوجود ، الرجل لا يتخطى العدل مطلقا ، يعيش الحياة بكل متعها طعاما ومالا ونساءً وحلما بالولد ،ثم لا ينسى كاتبنا الرتوش التى تغلف اللوحة ، فمشهد تجميع الحلويات والسودانى فى علب ثم بيعه ، ومشهد خشيته من قانون الخلع ، ومشهد الفسيخ ومكوناته .. كلها مشاهد ناتئة عن جذر القصة، إنما أكملت اللوحة ، وأشارت إلى طبيعة تأثيرات البيئة الدمياطية ، حيث فهم الحياة بشكل طيب ، دنيا المتع الحلال ، دنيا النفوس المطمئنة ، وقليلا ما ستجد هذه اللحظات سرديا .
أخيرا نأتى للغة ، وجهاد سمير الفيل فيها ، حيث عبقرية الاقتصاد اللغوى وحيث الهجوم المباشر على الموضوع ، بدون اى تفاصيل مجانية وبدون رسم مشاهد لا مقابل لها فى الواقع ، إنها صور لغوية تمثل انعكاسا لواقعها ، لينطلق كاتبنا فى رحلة تفصيح العامى ، أو الاستسلام للغة المحكية ، ليطعّم بها الكاتب ثراء قصته اللغوى والحكائى ، وليزيل هذا الفاصل الوهمى بين لقارىء والنص ، مؤكدا أن الفن فن ، مهما كان قربه من الواقع ، يقول مثلا ( من يرد الدح لا يقل الأح ) ، ( لابد ان يؤكلها لى ) ولم يقل يطعمها مثلا ، (الفأر يقرقض ) بدلا من يقرض ، بانت بمعنى ظهرت ولم يستخدم بدت ، (الورق الأخضر يروح لها ) بدلا من يصل، ثم جعلته يفز من جلسته " وهو تعبير فصيح ، بذات الملابس المبهدلة " ثم " ماتت من الضحك " و"يقول له ثلث الثلاثة كم " ، و" ولا من شاف ولا من درى " وعلى طول المجموعة (مائتى صفحة ) سنجد هذا الجهاد اللغوى ، يمارسه بخيرة الترحال الطويل ، حتى يصل للهدف الأسمى للفن وهوالإمتاع ، عبر القانون الجمالى الذى ابتدعه " سمير الفيل " ذاته أنك حين تستمتع بما تكتبه ، ستمتع من يقرأ لك ..
لا يمكن الصمت قبل الإشارة لتقصير هذه الكلمة فى حق كاتبنا ، وحق كتاباته بما تحمله من غنى حقيقى ، وبساطة آسرة ، وعمق بلا حدود ، وهو ما يمنح القارىء والناقد لأعماله مداخل بلا حصر لقراءة العمل ونقده ، وهذه هى عادة الأعمال الكبيرة ، وإن كان بعض النقاد قد أجّلوا أو اجروا ضميرهم النقدى ، فصمتوا عن اعمال لها قدرها ، وطنطنوا لأعمال أصحاب المصالح لا المواهب فكلنا على ثقة أن ( الزبد يذهب جفاء وان ما ينفع الناس يمكث – بلا شك – فى هذه الأرض ) .
إبراهيم محمد حمزة
الخميس ليلة رأس السنة الهجرية
17/ 12/ 2009م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق